المقريزي
23
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
بأجمعهم كانوا يجتمعون قبل ليلة الوقود عنده ، إلى أن يعملوا ثمانية عشر ألف فتيلة ، وأن المطلق برسمه خاصة في كلّ ليلة ترسم وقوده أحد عشر قنطار أو نصف زيتا طيبا . ذكر المحاريب التي بديار مصر وسبب اختلافها وتعيين الصواب فيها وتبيين الخطأ منها اعلم أن محاريب ديار مصر التي يستقبلها المسلمون في صلواتهم أربعة محاريب . أحدها محراب الصحابة رضي اللّه عنهم ، الذي أسسوه في البلاد التي استوطنوها ، والبلاد التي كثر ممرّهم بها من إقليم مصر ، وهو محراب المسجد الجامع بمصر ، المعروف بجامع عمرو ، ومحراب المسجد الجامع بالجيزة ، وبمدينة بلبيس ، وبالإسكندرية ، وقوص ، وأسوان ، وهذه المحاريب المذكورة على سمت واحد ، غير أن محاريب ثغر أسوان أشدّ تشريقا من غيرها ، وذلك أن أسوان مع مكة شرّفها اللّه تعالى في الإقليم الثاني ، وهو الحدّ الغربيّ من مكة بغير ميل إلى الشمال ، ومحراب بلبيس مغرّب قليلا . والمحراب الثاني محراب مسجد أحمد بن طولون ، وهو منحرف عن سمت محراب الصحابة ، وقد ذكر في سبب انحرافه أقوال منها : أنّ أحمد بن طولون لما عزم على بناء هذا المسجد ، بعث إلى محراب مدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أخذ سمته ، فإذا هو مائل عن خط سمت القبلة المستخرج بالصناعة نحو العشر درج إلى جهة الجنوب ، فوضع حينئذ محراب مسجده هذا مائلا عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب بنحو ذلك ، اقتداء منه بمحراب مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : أنه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في منامه ، وخط له المحراب ، فلما أصبح وجد النمل قد أطاف بالمكان الذي خطه له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام . وقيل غير ذلك . وأنت إن صعدت إلى سطح جامع ابن طولون ، رأيت محرابه مائلا عن محراب جامع عمرو بن العاص إلى الجنوب ، ورأيت محراب المدارس التي حدثت إلى جانبه قد انحرفت عن محرابه إلى جهة الشرق ، وصار محراب جامع عمرو فيما بين محراب ابن طولون والمحاريب الأخر ، وقد عقد مجلس بجامع ابن طولون في ولاية قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن محمد بن جماعة ، حضره علماء الميقات ، منهم الشيخ تقيّ الدين محمد بن محمد بن موسى الغزوليّ ، والشيخ أبو الطاهر محمد بن محمد ، ونظروا في محرابه ، فأجمعوا على أنه منحرف عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب مغربا بقدر أربع عشرة درجة ، وكتب بذلك محضر وأثبت على ابن جماعة . والمحراب الثالث : محراب جامع القاهرة ، المعروف بالجامع الأزهر ، وما في سمته من بقية محاريب القاهرة ، وهي محاريب يشهد الامتحان بتقدّم واضعها في معرفة استخراج القبلة ، فإنها على خط سمت القبلة من غير ميل عنه ولا انحراف البتة .